أبو المعالي اللمؤيد بن محمد الجاجرمي
73
نكت الوزراء
قال الصولي في كتاب الوزراء ، لا أعلم أنه ولي العباسية وزير قط مثله في عقله وزهده وعفته وحفظه للقران وعلمه بمعانيه وإعرابه وتصنيفه فيه كتبا حسانا وسماعه للحديث الكثير ومعرفته باللغة والشعر ، فتولّى الأمور بنفسه ونظر فيها ليله ونهاره ووقع بيده في جميع ما يوقع فيه أصحاب الدواوين في وزارة من قبله . وهو مع ذلك يصوم أكثر لياليه . وعلمه مع ذلك بالنواحي والأعمال والأموال علم حسن فيستقل به ولا يذهب عليه منه شيء . فكتب إلى العمال يأمرهم بتقوى الله عز وجل ويعلمهم ما فيها من البلاغة عاجلا وآجلا ويأمرهم بالاستقصاء في العمارة وتفقد السوق وحفر الأنهار ، وتقوية الضعفاء والاحتياط مع ذلك في جمع المال وإنقاذ ما راح منه شيئا فشيئا . وكان يجتمع عنده شيوخ العلم وربما احتبس الحاضرين [ 49 ب ] للغداء فكنت أرى مائدة حسنة وافرة في سنة تسع وثمانين وبعد ذلك نقصت فسألت أحمد بن طومار عن ذلك فقال إنه قدر من عليه ارزاقه جمع وأجرى ما فضل على المحتاجين والضعفاء . ثم قدم عليه قوم من أولاد المهاجرين والأنصار فسألوه أن يجرى عليهم وعلى غيرهم فلم يقتنع لذلك ، فقال لوكيله اقتصر على نفقة الثلث مما كنت تنفق واصرف الثلثين إليهم فلذلك نقصت مائدته . وكان يجلس للمظالم فينصف الضعيف من القوي فتناصف الناس في ما بينهم لمّا رأوه أعفّ الناس يدا ولسانا وبطنا وفرجا . وكان يحمل إلى بيت المال جميع ما يرد عليه مما كان الوزراء قبله يأخذونه وله حظ من البلاغة وملاحة الخط . إن وقع كانت توقيعاته . وان كتب كتبا كانت مختصرة الألفاظ جامعة المعاني . وفيه إذا خلا ظرف لطيف ، ومزح مليح . ومن مناقبه ، واصل الصدقات وأجزى على الضعفاء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة وبغداد وسرّ من رأى . ووقف وقوفا جليلة عليهم . وأفرز ديوانا من الضياع الجليلة القدر سماه ديوان البرّ ، وجعل ما له لإصلاح السبيل والثغور